الشيخ محمد علي طه الدرة
250
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
ورسله ، فلستم تتّبعون إلا مجرد الأهواء ، والآراء ، والتشهّي ، كما قال تعالى في الآية رقم [ 87 ] : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ . وهذا من مخاطبة الأبناء بما فعل الآباء ، ففيه زيادة توبيخ ، وتقريع ، وتأنيب . ( لم ) : كلمة مؤلفة من حرف ، واسم ، فالحرف اللام الجارة ، والاسم ( ما ) الاستفهامية ، وقد حذفت ألفها ، كما تحذف مع كلّ جار ، نحو قوله تعالى : فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ، عَمَّ يَتَساءَلُونَ ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ وذلك للفرق بين الموصولة والاستفهامية ، ويقال : للفرق بين الخبر والاستخبار ، ومن شواهدها الشعريّة قول الكميت ، وهو الشاهد رقم [ 554 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ الطويل ] فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم * فحتّام حتّام العناء المطوّل ؟ وأيضا قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي - رضي اللّه عنه - ، وهو الشّاهد رقم [ 250 ] من الكتاب المذكور : [ الطويل ] علام تقول الرّمح يثقل عاتقي * إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت هذا ؛ وقد ثبت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر ، ومنه قول حسّان بن ثابت - رضي اللّه عنه - يهجو رجلا من بني مخزوم ، وهو الشاهد رقم [ 556 ] من الكتاب المذكور : [ الوافر ] على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرّغ في دمان هذا ؛ و ( وراء ) جاء هنا بمعنى : ما بعده ، وبما سواه ، ويأتي بمعنى : أمام ، وقدّام ، وخلف ، ومن الأول قوله تعالى في سورة الكهف رقم [ 79 ] : وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً وأيضا قوله تعالى في سورة ( المؤمنون ) رقم [ 100 ] : وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ كما يأتي بمعنى : بعد ، خذ قوله في سورة ( هود ) رقم [ 71 ] : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ أي : من بعد إسحاق يعقوب ، وقال النابغة الذبياني : [ الطويل ] حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء اللّه للعبد مطلب أي : وليس بعد اللّه جلّ جلاله ، وكذلك قوله تعالى في سورة ( إبراهيم ) على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام : وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ أي : من بعده ، ومن مجيئه بمعنى : أمام ، وقدّام قول لبيد - رضي اللّه عنه - : [ الطويل ] أليس ورائي إن تراخت منيّتي * لزوم العصا تحنى عليها الأصابع وأيضا قول سوار بن المضرب السّعدي - وكان قد هرب من الحجّاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج - : [ الطويل ]